الشيخ محمد رشيد رضا
137
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
معاملة المسلمين ( قلنا ) ان ما بينه اللّه تعالى من حال المنافقين انما كان وصفا لا ناس غير معينين بأشخاصهم ، انذارا وزجرا لهم ليعرفوا حقيقة حالهم ، ويخشوا سوء مآلهم ، عسى أن يتوب المستعدون للتوبة منهم ، وقد تاب الكثيرون منهم ، بما ظهر لهم من إخبار القرآن عنهم ، بما لا يعلمه إلا اللّه تعالى من أمرهم وكان الذين عرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعض أصحابه أشخاصهم قليلين جدا كالذين هموا باغتياله صلّى اللّه عليه وسلّم بتشريد راحلته في عقبة في الطريق منصرفهم من تبوك ليطرحوه منها ، وقال بعضهم لبعض : لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير . وفيهم نزل ( 74 يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا . وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ) ولما استأمره أصحابه بقتلهم قال « اكره أن يتحدث الناس ويقولوا ان محمدا قد وضع يده في أصحابه » أي في رقابهم بقتلهم ، وهذا أكبر منفر عن الايمان ، فان كثيرا من الناس كان يستحسن هذا الدين ويفضله على ما كانوا عليه من الشرك في أحكامه وآدابه لذاتها ، قبل أن تقوم عندهم الحجة على اليقين بكونه وحيا من اللّه تعالى ، فيدخلون فيه ، ثم بعد زمن قليل أو كثير من معرفته التفصيلية تطمئن قلوبهم بالايمان اليقيني ، ومنهم من كان يدخل فيه تبعا لأكثر قومه من غير نظر إلى تفضيله لقلة علمه بدعوته ، وكل هؤلاء يقبل إسلامهم ويعتد به شرعا ، وفيهم نزل قوله تعالى من سورة الحجرات ( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا . قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ . وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً ) ولو سمع أمثال هؤلاء ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقتل بعض من اتبعه وصحبه لظهور شيء يدل على عدم ايمانهم في الباطن ، أو لاعلام اللّه تعالى إياه بما في قلوبهم ، لنفروا من الاسلام وخافوا عاقبة الدخول فيه وثم مفسدة أخرى في هذه الإشاعة وهي أن المنافقين والكفار يذيعون فيها ما شاؤوا من التهم الباطلة والافك المفتري ، كزعمهم أنه انما قتل من ظهر لهم منه مادلهم على بطلان دينه بعد أن صدقوه وجاهدوا معه على أن اللّه تعالى قال فيهم بعد وصفهم بالكفر بالقول وبالهمّ بشر نتائجه من الفعل ( فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ )